هل باتت التعيينات الجديدة فخاً سياسياً لإحراق الشخصيات الجنوبية شعبياً؟

كتب/مناف الكلدي
من حقنا أن نتساءل عن توقيت التعيينات والتغييرات التي أجراها رشاد العليمي، ولا سيما تلك المتعلقة بإسناد مناصب وزارية لشخصيات جنوبية مشهود لها بالكفاءة والنزاهة. فالقضية هنا لا تتعلق بالاعتراض على تولي الجنوبيين للمناصب، بل بالتوقيت، وطبيعة الحقائب الوزارية، والظروف السياسية والعسكرية التي جاءت فيها هذه التغييرات، والأهداف التي تقف خلفها.
ولعل أبرز الأمثلة على ذلك تعيين الوزير سالم ثابت العولقي في وزارة الإعلام، بعد إزاحته من وزارة الخدمة المدنية، وهي الوزارة التي شهدت في عهده بداية موفقة وخطوات عملية في تحريك ملفات ظلت معلقة ومتعثرة لسنوات طويلة.
فقد ارتبطت فترة سالم ثابت العولقي في وزارة الخدمة المدنية بتحريك عدد من الملفات المهمة، وفي مقدمتها بدل غلاء المعيشة، والعلاوات السنوية، وحقوق الموظفين النازحين والعائدين الجنوبيين، فضلاً عن بدء مسار إصلاح المؤسسات التابعة للوزارة. وهي ملفات تمس حياة آلاف الموظفين، وظلت لسنوات حبيسة الوعود والتأجيل والمماطلة.
ومن هنا يبرز السؤال المشروع: لماذا تتم إزاحة سالم ثابت العولقي من وزارة الخدمة المدنية في الوقت الذي بدأت فيه الملفات العالقة تتحرك، وبدأ المواطنون يلمسون نتائج ملموسة؟ وهل كان مجلس القيادة الرئاسي غير راضٍ عن مسار الإصلاحات التي قادها الوزير، أم أن هناك حسابات وتوجهات أخرى لا علاقة لها بالأداء والكفاءة؟
والأكثر إثارة للتساؤل هو إسناد وزارة الخدمة المدنية إلى الوكيل العامري، الذي ينتمي إلى التيار الإخواني، وهو تيار لا يمكن فصل تجربته السابقة في إدارة مؤسسات الدولة عن ما شهدته تلك المؤسسات من فساد واختلالات، فضلاً عن المظالم التي تعرض لها أبناء الجنوب، وفي مقدمتها تسريح الآلاف من وظائفهم عقب حرب 1994، حين كان الإخوان في تحالف مع نظام صالح.
إن نقل سالم ثابت من وزارة الخدمة المدنية إلى وزارة الإعلام لا يبدو مجرد تغيير إداري عابر، بل يثير تساؤلات سياسية عميقة حول طبيعة الدور المطلوب منه في المرحلة المقبلة. فوزارة الإعلام ليست كوزارة الخدمة المدنية؛ إذ تقتضي تبني خطاب رسمي وإعلامي يعكس توجهات الحكومة ومجلس القيادة الرئاسي، وقد يتعارض هذا الخطاب، في كثير من المحطات، مع قناعات سالم ثابت وتوجهاته الجنوبية.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية؛ إذ قد يجد سالم ثابت نفسه، عاجلاً أم آجلاً، أمام تصادم لا مفر منه بين مسؤولياته الحكومية وموقفه السياسي والوطني تجاه قضية الجنوب. فمن جهة، هناك شارع جنوبي يرفض كثيراً من مواقف وخطابات الحكومة ومجلس القيادة، ويرى في المشروع الجنوبي قضية سياسية ووطنية لا يجوز اختزالها في توصيفات التمرد أو الخروج عن الدولة. ومن جهة أخرى، هناك توجه حكومي قد يفرض على وزير الإعلام تبني خطاب ومواقف لا تنسجم بالضرورة مع تطلعات الشارع الجنوبي.
وعندها سيجد سالم ثابت نفسه بين كماشتين: كماشة الشارع الجنوبي الذي اكتسب ثقته واحترامه خلال عمله في وزارة الخدمة المدنية، وكماشة الخطاب الرسمي الذي تفرضه عليه حقيبته الوزارية الجديدة. وقد تكون النتيجة وضعه في مواجهة مع الشارع الذي احتضنه ومنحه الثقة، بعد أن استطاع أن يكسب احترام شرائح واسعة من أبناء الجنوب من خلال أدائه في وزارة الخدمة المدنية.
ولذلك، لا يمكن استبعاد أن يكون نقله إلى وزارة الإعلام، في هذا التوقيت تحديداً، مدخلاً لإحراجه سياسياً وإضعاف رصيده الشعبي، وربما إحراقه جنوبياً، بعدما نجح في بناء صورة إيجابية لدى الناس من خلال الملفات التي عمل عليها.
أما ما يثير القلق بصورة أكبر، فهو أن تأتي هذه التغييرات في مرحلة شديدة الحساسية، شهدت فيها الجبهات العسكرية تقدمات حوثية وانهيارات مؤلمة، في ظل اتهامات بالخيانة والتخاذل وتسليم مواقع عسكرية بين عشية وضحاها.
وهنا يحق لنا أن نطرح سؤالاً لا يمكن تجاوزه: لماذا لم نشهد هذه التغييرات الحكومية والعسكرية منذ بداية المعركة؟ ولماذا لم تتحرك عجلة التغيير عندما كانت الجبهات تسقط والمواقع الاستراتيجية تُسلَّم تباعاً للحوثيين؟ ولماذا لم تتم محاسبة المسؤولين عن تلك الإخفاقات في حينها، بدلاً من أن تأتي التغييرات الآن، وفي هذه المرحلة التي بات فيها الجنوبيون أمام استحقاقات سياسية ومسؤوليات حكومية جديدة؟
إن منح الجنوبيين مناصب وزارية في هذه المرحلة قد يبدو، ظاهرياً، خطوة نحو الشراكة وتوسيع المشاركة السياسية، لكن العبرة ليست بعدد الحقائب ولا بالأسماء التي تتصدر المشهد، بل بطبيعة الصلاحيات الممنوحة، والظروف التي تجري فيها التعيينات، ومدى استقلالية الوزراء في أداء مهامهم، وحقيقة المسؤوليات التي ستلقى على عاتقهم.
فما الذي يمنع أن تتحول هذه التعيينات إلى وسيلة لتوزيع المسؤولية عن إخفاقات المرحلة السابقة، وإلقاء تبعات أي فشل قادم على الوزراء الجنوبيين، ثم تقديمهم للرأي العام وكأنهم المسؤولون عن الأزمات والانهيارات التي لم يكونوا طرفاً في صناعتها؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يُدفع الجنوبيون إلى واجهة المسؤولية في مرحلة مثقلة بالفشل والتراكمات، دون أن يمتلكوا الأدوات الحقيقية لمعالجة الاختلالات، ثم يُحمَّلوا لاحقاً نتائج هذا الفشل، في محاولة لتشويه حضورهم السياسي وإضعاف ثقة الشارع بهم.
إننا لا نرفض تولي الكفاءات الجنوبية للمناصب، بل نرفض أن تتحول هذه المناصب إلى أفخاخ سياسية، أو أن تكون جسوراً لتحميل الجنوبيين أوزار إخفاقات لم يصنعوها، أو وسائل لإحراق الشخصيات الجنوبية التي استطاعت أن تكسب ثقة الشارع.
وأخشى ما أخشاه أن تكون تغييرات العليمي في هذا التوقيت جزءاً من ترتيبات سياسية لا تستهدف معالجة الاختلالات بقدر ما تستهدف إعادة توزيع الأعباء والمسؤوليات، ووضع الشخصيات الجنوبية في الواجهة لتحمل نتائج مرحلة لم تكن صاحبة القرار فيها.
لقد علمتنا الأحداث والتجارب السابقة أن النخب اليمنية، بمختلف مراكز نفوذها، لم تتعامل دائماً مع الحضور الجنوبي بوصفه شريكاً يستحق التمكين والإنصاف، بل كثيراً ما جرى توظيف هذا الحضور وفق حسابات سياسية ضيقة، ثم تحميله مسؤولية الإخفاقات عند أول اختبار.
ولهذا، فإن الحذر اليوم ليس تشكيكاً في الأشخاص الجنوبيين الذين تولوا المسؤولية، ولا تقليلاً من كفاءاتهم، بل هو قراءة لمشهد سياسي يستوجب التوقف والتأمل.
فسالم ثابت العولقي، وغيره من الوزراء الجنوبيين والقادة العسكريين، ليسوا مطالبين فقط بإثبات كفاءتهم، بل مطالبون أيضاً بألا يتحولوا إلى واجهة لتجميل إخفاقات الآخرين، أو وقود لمعركة سياسية تستهدف رصيدهم الشعبي وقضية الجنوب.
فالجنوب لا يحتاج إلى أسماء تُستنزف في مناصب شكلية، ولا إلى شخصيات تُدفع إلى واجهة المشهد لتحمل تبعات قرارات لم تشارك في صناعتها؛ بل يحتاج إلى شراكة حقيقية، وصلاحيات فعلية، واحترام لإرادة شعبه وتطلعاته السياسية.
والسؤال الذي ينبغي أن يظل حاضراً أمام الجميع: هل جاءت هذه التغييرات لتمكين الجنوبيين وإشراكهم في صناعة القرار، أم لوضعهم في واجهة مرحلة الفشل، ثم تحميلهم فاتورة الإخفاقات؟
الأيام وحدها ستكشف حقيقة هذه الترتيبات، لكن ما يجب ألا يغيب عن أذهان الجنوبيين هو أن المناصب ليست مكسباً بحد ذاتها، وأن أخطر خسارة قد يتعرض لها أي مسؤول جنوبي هي أن يفقد ثقة شعبه في سبيل البقاء داخل معادلة حكومية لا تعترف بتطلعات ذلك الشعب.




